عباس حسن
365
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
والحال المقارنة أكثر استعمالا وورودا في الكلام ، ولا تحتاج إلى قرينة كالتي يحتاج إليها غيرها . * * * الثامن : انقسامها بحسب التأسيس والتأكيد إلى مؤسّسة ومؤكّدة . فالمؤسّسة ، وتسمى المبيّنة « 1 » : هي التي تفيد معنى جديدا لا يستفاد من الكلام إلا بذكرها ، نحو : وقف الأسد في قفصه غاضبا ، ثم هدأ حين رأى حارسه مقبلا ، فكلمة : « غاضبا » حال مؤسّسة : لأنها أفادت الجملة معنى جديدا لا يفهم عند حذفها . وكذلك كلمة : « مقبلا » وأشباههما من الأحوال التي لا يستفاد معناها من سياق الكلام بدون ذكرها . والمؤكّدة : هي التي لا تفيد معنى جديدا ، وإنما تقوّى معنى موجودا في الجملة قبل مجيئها « 2 » ، ولو حذفت الحال لفهم معناها مما بقي من الجملة . نحو : لا تظلم الناس باغيا ، ولا تتكبر عليهم مستعليا ، « فالبغى » هو الظلم ، و « الاستعلاء » هو الكبر . ولو حذف كل من الحالين في المثال ( وهما يؤكدان عاملهما ) ما نقص المعنى ، ولا تغير ، ولفهم معناه من بقية الكلام . ومثلهما باقي الأحوال التي يستفاد معناها بغير وجودها . وقد سبق - في مناسبة أخرى « 3 » - الإشارة إلى المؤكدة ، وأنها قد تكون مؤكدة لمضمون الجملة ؛ نحو : خليل أبوك عطوفا ، أو مؤكدة لعاملها لفظا ومعنى ؛ نحو : ( وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ) أو معنى فقط : نحو : ( . . . وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . . . ) لأن البعث يقتضى الحياة ، أو مؤكدة لصاحبها ؛ نحو قوله تعالى : ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) . فكلمة : « جميعا » حال من الفاعل « من » وهذا الفاعل اسم موصول يفيد العموم ، والحال - هنا - تفيد العموم ، فهي مؤكدة له . وأشرنا هناك إلى أن الجملة التي تؤكّد الحال مضمونها لا بد أن تكون جملة اسمية ، طرفاها معرفتان ، جامدتان « 4 » ؛ ولا بد أن تتأخر الحال عنهما معا ،
--> ( 1 ) لأنها تبين هيئة صاحبها - أما المؤكدة فلا تبين هيئة - كما في ص 339 و 340 - . ( 2 ) سواء أكان المعنى الذي تؤكده هو معنى عاملها أم معنى صاحبها ، أم معنى الجملة التي قبلها . - كما سبق في ص 341 وما بعدها وله إشارة في ص 370 . ( 3 ) ص 341 وما بعدها . ( 4 ) إذا كان في الجملة فعل أو ما يعمل عمله كان عاملا في الحال ؛ فلا يعتبر العامل مضمرا ، -